الشيخ محمد رشيد رضا

76

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

عن ابن عباس ( خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ ) قال لا يموتون وما هم منها بمخرجين ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك ، قال استثنى اللّه ، قال أمر اللّه النار أن تأكلهم ، قال وقال ابن مسعود : ليأتين على جهنم زمان تخفق أبوابها ليس فيها أحد بعد ما يلبثون فيها أحقابا . حدثنا ابن حميد حدثنا جرير عن بيان عن الشعبي قال : جهنم أسرع الدارين عمرانا وأسرعهما خرابا . وحكى ابن جرير في ذلك قولا آخر فقال : وقال آخرون أخبرنا اللّه عز وجل بمشيئته لأهل الجنة فعرفنا معنى ثنياه بقوله ( عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ ) وأنها في الزيادة على مقدار مدة السماوات والأرض قالوا ولم يخبرنا بمشيئته في أهل النار وجائز أن تكون مشيئته في الزيادة وجائز أن تكون في النقصان . حدثني يونس أنبأنا ابن وهب قال : قال ابن زيد في قوله تعالى ( خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ ) فأ حتى بلغ ( عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ ) فقال أخبرنا بالذي يشاء لأهل الجنة فقال ( عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ ) ولم يخبرنا بالذي يشاء لأهل النار وقال ابن مردويه في تفسيره حدثنا سليمان بن أحمد حدثنا جبير بن عرفة حدثنا يزيد بن مروان الخلال حدثنا أبو خليد حدثنا سفيان يعني الثوري عن عمرو بن دينار عن جابر قال : أرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم « فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ * خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ » قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم « إن شاء اللّه أن يخرج أناسا من الذين شقوا من النار فيدخلهم الجنة فعل » وهذا الحديث يدل على أن الاستثناء انما هو للخروج من النار بعد دخولها خلافا لمن زعم أنه لما قبل الدخول ولكن انما يدل على إخراج بعضهم من النار . وهذا حق بلا ريب وهو لا ينفي انقطاعها وفناء عذابها وأكلها لمن فيها وانهم يعذبون فيها دائما ما دامت كذلك وما هم منها بمخرجين ، فالحديث دل على أمرين ( أحدهما ) ان بعض الأشقياء ان شاء اللّه أن يخرجهم من النار وهي نار فعل ، وان الاستثناء انما هو فيما بعد دخولها لا فيما قبله ، وعلى هذا فيكون معنى الاستثناء إلا ما شاء ربك من الأشقياء فإنهم لا يخلدون فيها ، ويكون الأشقياء نوعين : نوعا يخرجون منها ، ونوعا يخلدون فيها ، فيكونون من الذين شقوا أولا ثم يصيرون من الذين سعدوا فتجتمع لهم الشقاوة والسعادة في وقتين « 1 »

--> ( 1 ) الظاهر أن هؤلاء هم النوع الأول فتأمل